حسن حنفي

39

من العقيدة إلى الثورة

مرحلة التخلف بكل مظاهره من طغيان داخلي وقهر خارجي وتبعية وانحياز وضياع لاستقلال الأمة وحريتها . ثم توجد أنظمة تسلطية تقوم بالدور نفسه وتتحد مصالحها مع السلطة الدينية القائمة فيصبح الجبر الدعامة النظرية للنظم القائمة وتستأصل المعارضة التي تروج لخلق الانسان لافعاله باعتبارها ضد الإرادة الإلهية وهي في الحقيقة ضد إرادة السلطان . وما أسهل أن يدافع الانسان عن الله وحقه المطلق الثابت ولكن ما أصعب الدفاع عن الانسان وحقه المهضوم الضائع وعن حقوق الشعوب . ما أسهل الدفاع عن حرية أفعال الله التي لا نزاع فيها وما أصعب الدفاع عن حرية أفعال الانسان التي تنكرها كل النظم السياسية ويسقط دفاعا عنها المناضلون والشهداء . جبر الافعال مزايدة على الله تكشف عن مناقصة في الانسان . تأخذ بالطريق السهل وتترك الطريق الصعب ، تدخل في معركة مكسوبة سلفا اعتمادا على سلطة الدولة وتترك المعركة القائمة بالفعل اعتمادا على حق الشعوب وعلى قوى المعارضة . ان اثبات قدرة الذات المشخصة واثبات عظمتها بالنسبة لقدرة الانسان هو اثبات الفيل للنملة أنه قادر على ما هي قادرة عليه . وذلك يقوم على الايحاء بأن الفيل ليس فيلا بل مجرد وهم والنملة قادرة على الفعل ولا يمنعها الفيل من شيء . والحقيقة أن كل شيء لا يقاس بشيء آخر نسبة بل يقاس في ذاته . فالنملة في عالمها قادرة على السعي والدفاع وجلب الرزق والعمل المشترك . ان النملة قادرة كما تقص الحكايات الشعبية على قهر الفيل . فالقدرة الجسمية أحط أنواع القدرات إذا ما قيست بقدرات العقل والحيلة والذكاء . وقد تمكث النملة في أذن الفيل حتى يهج ويقع . وبالتالي ينتهى الجبر إلى عكس ما كان يرمى إليه وهو الدفاع عن التوحيد . فلا هو دافع عن التوحيد نظرا لاثباته أن الفيل أقدر على النملة ولا هو حافظ على العدل أي على قدرة النملة على العيش والكسب والجد والجهد والدفاع . الجبر مجرد مزايدة من العاجز عن الفعل واسناد كل فعل إلى الله . وهو يكشف عن اغتراب الانسان في العالم وأنه يسقط العالم من الحساب كميدان للفعل . وهو نفاق يحيل العجز قوة ، وتعويض يجد في الغير هروبا من الذات ، وهو في نهاية الامر فكر سلطة بغيته تأييد السلطان ضد حقوق الشعوب وأصحاب الحقوق .